فصل: تفسير الآيات (1- 17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة الطارق:

نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة البلد عدد آياتها: سبع عشرة آية.
عدد كلماتها: إحدى وستون كلمة عدد حروفها: مائتان وتسعة وثلاثون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
هى نسق متّسق مع ما سبقها، في عرض أحداث يوم القيامة، وإرهاصاتها، تقريرا، وتوكيدا لهذا اليوم.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 17):

{وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (1) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (7) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (9) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (10) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ}.
القسم هنا، بشيئين، هما: السماء، والطارق! ولأن السماء معروفة، وهى هذا البناء القائم ذو السقف المرفوع فوقنا- فلهذا لم يكشف القرآن عن وجهها.
أما {الطارق} فهو مما لا يعرف على وجه التحديد، فإن لفظ {الطارق} يحتمل معانى كثيرة.. فكل ما طرق الإنسان وجاءه على غير انتظار، فهو طارق، سواء أكان شخصا أم حدثا.. وفى الحديث الشريف: {أعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن}.
ولهذا فقد جاء القرآن بهذا السؤال عنه: {وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ}؟ حتى ينبّه إليه، ويبعث على التطلع إلى معرفته.. ثم بينه اللّه سبحانه وتعالى بقوله: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} فهذا هو الطارق.. إنه النجم الثاقب! والنجم الثاقب: قد يكون نجما واحدا، وهو النجم القطبي، الذي يثقب ظلمة الليل بضوئه المشع، كما أشرنا إلى ذلك في سورة النجم.
وقد يكون مرادا به، جنس النجم، أي كل ما يظهر في السماء من نجوم، تثقب بضوئها أديم السماء المعتم.
وقد يكون المراد به تلك الشهب الراصدة، التي ترجم بها الشياطين، وهى النيازك التي ترى ساقطة من السماء إلى الأرض في الليل، ثاقبة الظلام المنعقد بين السماء والأرض.
وهذا، هو الأنسب، لأنه يتّسق مع قوله تعالى بعد ذلك: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ} أي أنه كما للسماء حفظة يحفظونها من أن تدخل الشياطين حماها، كما يقول سبحانه وتعالى على لسان الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} [8: الجن].. وكما يقول جل شأنه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ} [5: الملك] وكما يقول سبحانه: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ} [6، 7: الصافات]- أي كما جعلنا للسماء حفظة يحفظونها، كذلك جعلنا على كل نفس حافظا موكّلا بها من عندنا، يسجل أعمالها، كما يقول سبحانه:
{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ} [10، 11 الانفطار] وكما يقول تعالى: {لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [11: الرعد].
وقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ}.
هو جواب القسم.
أي ما كل نفس إلّا عليها حافظ، أي حارس أمين، ضابط لكل ما تعمل من خير أو شر، أو أن كل نفس يقوم عليها من كيانها ما يحفظ عليها وجودها، وذلك بما أودع الخالق جل وعلا فيها، من قوى مادية ومعنوية، تجعل منها جميعا أسلحة عاملة، تحمى الإنسان، وتدفع عنه ما يعترض طريقه على مسيرة الحياة، وإن أظهر حافظ يحفظ الإنسان هو عقله، الذي يميز به الخير من الشر، والخبيث من الطيب، ولعلّ هذا أقرب إلى الصواب، إذ جاءت بعد هذه الآية دعوة للإنسان إلى أن يستعمل عقله، وينظر في أصل خلقه، ومادة وجوده.
وهوقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ} أي وإذ كان مع كل إنسان حافظ، هو عقله، فلينظر بهذا العقل الحافظ، إلى قدرة اللّه سبحانه وتعالى، في ذاته هو، وإلى قدرة اللّه سبحانه في إبداع هذه الذات وتصويرها.. فإنه لو نظر بهذا العقل إلى هذا الذي يوجّه إليه من حقائق، لعرف طريق الحق، وسلك مسالك الهدى.
فمن أين خلق هذا الإنسان، ذو العقل والبصر؟ خلق من ماء دافق، أي ماء سائل، جار، لا كون له، ولا تماسك بين أجزائه.
وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ} إشارة إلى مورد هذا الماء الدافق، وأنه ماء مخرجه من بين الصلب والترائب.
والصلب، فقار الظهر، والمراد به صلب الرجل، أي ظهره.
والترائب: جمع تريبة، وهى موضع القلادة من الصدر.. والمراد بالتربية هنا تريبة المرأة.
فالماء الذي يخلق منه الإنسان، هو ماء الرجل والمرأة معا، حين يلتقيان في رحم المرأة.
وفى وصف الماء بالتدفق، إشارة إلى أنه ماء قد خرج خروجا طبيعيا، بعد أن استوى ونضج في صلب الرجل، وتربية المرأة، وأنه ليس ماء انتزع انتزاعا من موضعه قبل أن ينضج ويستوى.
قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ}.
أي أن اللّه سبحانه الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء الدافق، قادر على أن يرجعه إلى الحياة بعد الموت، ويخلقه خلقا آخر، كما خلقه أول مرة.. فهذا الماء لا يختلف- في تقدير الإنسان- عن هذا التراب الذي الذي يبعث منه الإنسان بعد موته.. كلاهما شيء بعيد عن صورة الإنسان.. فما أبعد ما بين الإنسان، وبين الماء، أو التراب!
وقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ} إشارة إلى الوقت الذي يبعث فيه هذا الإنسان إلى الحياة مرة أخرى، فذلك هو يوم {تبلى السرائر} أي يوم يخرج كل ما انطوى في سريرة الإنسان، وكل ما احتفظ به في صدره من أسرار، فلا يبقى سر إلا ظهر على الملأ، يوم الحساب والجزاء.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [9- 11: العاديات].
قوله تعالى: {فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ}.
أي في هذا اليوم، يوم يكشف عما في الصدور، ويوضع موضع الفحص والاختبار، ليتبين الخبيث من الطيب- في هذا اليوم لا يكون للإنسان قوة من ذات نفسه، يدفع بها السوء عنه، كما أنه لا يجد ناصرا ينصره ويعينه.
فكل إنسان مشغول بما هو فيه: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (37: عبس) وقوله تعالى: {وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ}.
هو قسم بالسماء ذات الرجع، أي ذات المطر الذي ينزل من السحاب، وسمى المطر رجعا، لأنه خرج من الأرض، وإليها يرجع.. وقسم آخر بالأرض ذات الصدع، أي التي تتشقق ليخرج منها النبات، الذي يتخلق في رحمها من هذا الماء المصبوب فيها.
فالسماء التي ينزل منها الماء، إنما تعيد هذا الماء إلى الأرض الذي خرج منها إلى السماء، والأرض التي تتصدع عن النبات تعيد هذا النبات الذي نقذ إليها من ظهرها- تعيد إلى ظهرها مرة أخرى. وفى هذا، وذاك، دليل على تلك الدورة التي يدور فيها الإنسان، فينقل من ظهر الأرض إلى بطنها، ثم يعود من بطنها إلى ظهرها.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ}.
هو المقسم عليه بالقسمين السابقين، وهو أن هذا القول الذي تنطق به آيات اللّه، هو قول حقّ، واقع لا شك فيه، وليس هو بالهزل الذي لا تقصد به دلالاته ومعانيه.
وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً}.
هو تعقيب على قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ} وهو في موقع جواب عن سؤال هو: ماذا كان موقف المشركين من هذا القول الفصل؟
فكان الجواب: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} أي يمكرون مكرا، ويستقبلون هذا القول بالمماحكة والجدل، وينصبون الشراك له، ويقيمون المعاثر في طريقه، ليصدّوا الناس عنه.. إنهم في حرب معه، يكيدون له بكل يقدرون عليه، مجتمعين، أو فرادى.
وقوله تعالى: {وَأَكِيدُ كَيْداً}.
هو ردّ على كيد هؤلاء الكائدين، لإبطال كيدهم ولقتلهم بالسلاح الذي يحاربون به كلام اللّه.. وهذا مثل قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}.
فهم إذا كادوا للقرآن، ودبروا أمرهم بليل، فإن اللّه سبحانه وتعالى كيدا، حيث يأخذهم العذاب، وهم لا يشعرون.
قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} هو تهديد للمشركين بما ينتظرهم من وراء كيدهم هذا.. وإنه ليس إلا أيام قليلة يقضونها في دنياهم، حتى يلقاهم اليوم الذي يوعدون، وحيث يأخذهم عذاب اللّه، وليس لهم من دون اللّه من ولى ولا نصير.
وفى هذا عزاء للنبى الكريم، وتثبيت لقدمه على طريق دعوته، التي تقوم على طريقها هذه الذئاب المتربصة بها.. إنه في حراسة اللّه، فليمض في طريقه وليدع للّه سبحانه ردّ هذا الكيد الذي يكادله.

.سورة الأعلى:

نزولها مكية.. نزلت بعد سورة المدثر.
عدد آياتها: تسع عشرة آية.
عدد كلماتها: ثمان وسبعون آية.
عدد حروفها: مائتان وواحد وسبعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
ختمت سورة الطارق قبل هذه السورة بقوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} وفى هذا- كما عرفنا- تهديد للمشركين، وتطمين لقلب النبي، وحماية له من هذا الكيد الذي يكاد له، فناسب أن تجيء بعد ذلك سورة الأعلى مبتدئة بقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ففى هذا الاستفتاح دعوة إلى تمجيد اللّه وتعظيمه، والتسبيح بحمده، على أن أخذ الظالمين بظلمهم، وأبطل كيدهم.
بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 19):

{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (17) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (19)}.
التفسير:
قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {اسم ربك} أي الاسم الذي يدل على ذات اللّه سبحانه وتعالى، وللّه سبحانه وتعالى أسماء كثيرة، ذكرها في القرآن الكريم، كما ذكرها النبي الكريم، في حديث رواه البخاري، وهو قوله صلوات اللّه وسلامه عليه: «إن للّه تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا..».
وأسماء اللّه تعالى، هي صفاته الموصوف بها، وهى وإن كانت مما قد نصف به ذواتنا، من العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، وغيرها، إلا أن للّه سبحانه كمال هذه الصفات، كمالا مطلقا، على حين أن ما نتداوله نحن من هذه الصفات هو في حدود وجودنا المحدود، فيقال فلان حفيظ، وعليم، وقادر، وكريم، وهو في هذه الصفات كائن بشرى محدود، واتصافه بها إنما هو بالإضافة إلى غيره، ممن هو أقل منه حفظا، أو علما، أو قدرة، أو كرما.
فالتسبيح باسم اللّه، هو ذكره سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى، كما يقول سبحانه: {وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها} [180: الأعراف] والمراد بالتسبيح باسم اللّه، هو التسبيح لذاته سبحانه وتعالى.. ولكن الذات العلية لا يمكن تصورها، وإنما الذي يمكن تصوره- مهما بالغنا في هذا التصور- هو ما تتصف به الذات من صفات الكمال التي تتجلى في أسمائه الحسنى.
وقوله تعالى {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} هو مما نذكره من صفات اللّه سبحانه وتعالى، حين نذكر اسمه الكريم: {الخالق}.
فإذا ذكرنا اسم اللّه هذا، ذكرنا منه أن اللّه سبحانه هو المتفرد بالخلق، لا يشاركه أحد فيما خلق في السماء أو في الأرض.. وهو سبحانه الذي سوّى ما خلق، فأقام كل مخلوق على أتم صورة له وأكملها، كما أقام من هذه المخلوقات جميعها صورة مسوّاة محكمة للوجود كله {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} [3: الملك] وقوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى}.
أي وهو سبحانه الذي قدّر لكل مخلوق ما هو مناسب له، ملائم لوجوده، محتفظ له بمكانه بين المخلوقات.. {الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى} [50: طه] فكل مخلوق، من إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد- ميسر لما خلق له.. كما في الحديث الشريف: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى} ومن آثار الخالق سبحانه وتعالى، أنه أخرج من الأرض ما يأكل منه الناس والأنعام.. فكل ما على الأرض من نبات، هو مرعّى للناس، وللحيوان، وأنه إذا كان الإنسان بعقله قد أدخل الصنعة على هذا المرعى، فاتخذ من الحبّ خبزا، ومن الفاكهة شرابا- فإن ذلك لا يخرج بهذا النبات عن أن يكون مرعى لنا وللأنعام، يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ} [30- 33 النازعات] فالناس والأنعام سواء أمام هذه المائدة الممدودة من فضل اللّه.
وقوله تعالى: {فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى} إشارة إلى أن هذا المرعى الأخضر، لا يثبت على حال واحدة، بل إنه يتنقل من حال إلى حال، فيتحول من الحياة والخضرة، إلى الجفاف، والموات، فيكون {غثاء} أي هشيما {أحوى} أي أسمر اللون، بعد أن يلوّحه الجفاف، ويذهب منه ماء الحياة الذي كان يسرى في كيانه.. وهذا من إبداع القدرة، التي تبدي وتعيد.
قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى}.
مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هي أن اللّه سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم في أول السورة أن يسبح باسمه، وأن يذكره، وذلك بتلاوة آيات اللّه التي يتلقاها وحيا من ربه، فإن خير ذكر للّه، هو بتلاوة آياته سبحانه وتعالى، ولهذا كان أول ما تلقاه النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- من ربه، هوقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} فهو مثل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى}.
ولما كانت هذه السورة- سورة الأعلى- من أوائل ما نزل من القرآن، فقد كان النبي الكريم يحرص أشد الحرص على أن يحفظ حفظا موثّقا كلّ ما يتلقى من وحي.. فلما حمى الوحى وبدأت آيات اللّه تنزيل عليه تباعا، خشى أن يثقل على حافظته حفظ ما يوحى إليه، ولهذا كان يسمع الآية من جبريل عليه السلام فيعيد تكرارها على لسانه حتى يثبت حفظها في قلبه، فنزل عليه قوله تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} [16- 19: القيامة].. ثم جاء قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ}.
وذلك ليقطع على النبيّ كل خاطر يخطر له من أن شيئا مما نزل عليه من آيات اللّه، يكون في معرض النسيان يوما ما.
وفى قوله تعالى: {إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ} إشارة إلى أن هذا الحكم المطلق المؤيد بعدم النسيان، هو رهن بمشيئة اللّه، وأن مشيئة اللّه مطلقة لا يقيدها شيء.
فلو شاء سبحانه أن يذهب بما حفظ النبيّ من آيات اللّه لذهب به، ولكنه، سبحانه لم يشأ، فهى مشيئة مقيدة بمشيئة، وكلا المشيئتين من اللّه، وإلى اللّه.. وهذا مثل قوله تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ} [86: الإسراء] ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ هذه المشيئة! وبذلك يظل النبيّ مع هذا الوعد الكريم من ربه، على ثقة واطمئنان، بأن ما يتلقى من آيات ربه، سيكون محفوظا في صدره، ثم هو في الوقت نفسه لا يخلى نفسه من معاناة الحفظ، والتلاوة، ومراجعة ما حفظ، وذلك ليعطى وجوده حقه من الطلب والمعاناة، وإلا- وحاشاه- كان أشبه بآلة مسجلة، تملأ، ثم تدار، لتفرغ ما ملئت به.
ولهذا كان من بعض حكمة اللّه سبحانه في نزول القرآن منجما، ما أشار إليه سبحانه في قوله تعالى: {كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ} وذلك بمعايشة كلمات اللّه، وقتا كافيا، تقرّ فيه في صدر النبيّ، وتثبت بالحفظ، والمراجعة والمعاناة.
والدليل على ما ذهبنا إليه، ما ثبت من تاريخ القرآن، من أن النبيّ عليه الصلاة والسلام، كان يعرض على جبريل كلّ عام ما نزل عليه من القرآن، فلما كانت السنة التي توفى فيها النبيّ، عرض على جبريل القرآن كله، مرتين، وقيل ثلاث مرات، وذلك لتأكيد ما حفظ النبيّ وتوثيقه.
وهذا يعنى أن سنن اللّه الكونية- وهى من مشيئته وحكمته- قائمة أبدا، وأن الأخذ بالأسباب مطلوب في كل حال، ومع كل مخلوق، حسب وجوده في عالمه.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى} هو تأكيد لهذا الوعد مع الاستثناء، وأن اللّه سبحانه، الذي وعد النبيّ بألا ينسى ما يحفظ، هو عالم الجهر والسر، وهو سبحانه الذي يملك خطرات النفوس، وخلجات الصدور، فيتصرف فيها كيف يشاء.
وقوله تعالى: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى}.
أي واللّه سبحانه وتعالى لا يشقّ عليك أيها النبيّ، ولا يكلفك ما لا تطيق، فهو ميسر لك أمرك جميعه، ومن أولى دلائل اليسر أنه أعانك على حفظ القرآن وتثبيته في صدرك، فلا يذهب شيء منه.. ومن تيسيره عليك أنه جعل الشريعة التي أنت داع إليها وقائم بها شريعة يسر وسماحة، لا حرج فيها، ولا إعنات، كما يقول سبحانه: {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (78: الحج) قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى}.
أي وبهذه الشريعة السمحاء ادع الناس إليها، وذكّر بها، ووجه القلوب والعقول إلى اللّه بها.
وقوله تعالى: {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى} إشارة إلى أن يذكّر النبيّ ما وجد للذكرى نفعا، والذكرى لا تخلو من نفع أبدا، فإنها إذا لم تجد في الناس من يستجيب لها، وينتفع بها، فإنها واجدة فيهم أيضا من يستجيب وينتفع، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [55: الذاريات].
وهذا يعنى أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لا يتخلّى عن مهمة التذكير أبدا.
فقيد الأمر بالتذكير، بنفع الذكرى قيد لازم، ومن لزوم هذا القيد أن يكون النبيّ مذكّرا بدعوته دائما، لأن مع كل ذكرى نفعا، وما دام النفع معها، فهى مطلوبة من النبيّ أبدا، وهو مذكر أبدا.
وقد اضطرب المفسرون في تأويل هذه الآية، وفى تأويل القيد الوارد عليها في هذا الشرط: {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى}، وبدا لهم من ذلك أن النبيّ لا يذكّر إلا في حال يكون فيها للذكرى نفع، فإن لم يكن فيها نفع، فلا تذكير!! والنبىّ مطلوب منه أن يذكّر دائما نفعت الذكرى أو لم تنفع.. فكيف يتفق هذا الدوام، مع هذا القيد، وهو التذكير في حال النفع وحده؟
وقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في حل هذا الإشكال، وخرجوه على وجوه قلّبت فيها مذاهب النحو، واللغة، على جميع وجوهها، دون أن يحصلوا من ذلك على طائل، نستريح له ونطمئن إليه.
وقد رأيت كيف كانت نظرتنا إلى الآية.. فلعلك تجد فيها ما تطمئن إليه وتستريح له.
قوله تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى}.
هو إشارة إلى أن الذكرى على أية حال نافعة، وأنه سيذكر بها من يخشى اللّه سبحانه وتعالى.. وأنه لن تخلو الإنسانية ممن يخشى اللّه ويتقيه، ويفتح قلبه للهدى المرسل في آياته.
قوله تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى}.
وهذا هو الوجه الآخر من الذكرى، وهو الوجه الذي لا يكون فيه منها نفع للأشقياء الذين غلبت عليهم شقوتهم، فحرموا التهدى إلى الهدى.
ووصف النار بأنها الكبرى- إشارة إلى أنها ليست كنار الدنيا مع شدة ضرامها، وقسوة حرارتها، وإنما هي نار تأكل نار الدنيا، في شدة ضرامها، وقسوة حرارتها.
وقوله تعالى: {ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى} إشارة إلى أن الأشقياء الذين يلقون في هذه النار، سيخلدون فيها، وهو خلود في عذاب شديد- وقانا اللّه شره- وأن الحياة في هذا العذاب ليست حياة يجد فيها الحي طعما للحياة، وليست موتا يستريح فيه من هذه الحياة.. فلا هو في الأحياء، ولا في الأموات، إنه في حياة متلبسة بالموت، وفى موت ملبس بالحياة: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ} وهذا أقسى ألوان الحياة وأشدها.
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}.
الذين لا تنفعهم الذكرى، هم الأشقياء الذين غلبت عليهم شقوتهم فلم تخشع قلوبهم لذكر اللّه وما نزل من الحق.. فكان مصيرهم النار، لا يموتون فيها ولا يحيون.. ذلك، على حين قد أفلح من تزكى، أي تطهر من أوضار الكفر والضلال، فآمن باللّه، وذكر اسم ربه، وأقام الصلاة.
وقوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} إشارة إلى أن الصلاة مرتبة على ذكر اللّه، فمن لم يذكر اللّه سبحانه، ويستحضر جلاله وعظمته فيما يذكر من أسمائه وصفاته- لا يخشع قلبه للّه، ولا يصلّى له.
وفى ذكر الصلاة على أنها الأثر المترتب على ذكر اللّه- إشارة إلى أن الصلاة، بما فيها من ولاء، وخشوع، وركوع، وسجود، هي أكمل الوسائل وأعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ومن هنا كانت رأس العبادات.
وملاك الطاعات.. وهى شريعة كل نبى، ودعوة كل رسول إلى قومه، بعد الإيمان باللّه.. فيقول سبحانه عن إسماعيل: {وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [55: مريم] ويقول سبحانه على لسان عيسى:
{وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا} [31: مريم].
وفى ذكر اللّه سبحانه وتعالى بالربوبية من بين أسمائه الكريمة كلها-
إشارة إلى أن الذي يذكر الإنسان اسمه، هو مرييه، ومنشئه، والمنعم عليه بالإيجاد، والخلق على هذه الصورة السوية.
قوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى}.
هو إضراب عن هذا الخبر: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} حيث لم يستجب له معظم الناس، ولم يدخل فيه أكثرهم، إذ قد آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وشغلوا بها عن ذكر اللّه، وإقامة الصلاة على تمامها وكمالها، في إخلاص، وخشوع، وإخلاء القلب لها من هموم الحياة وشواغلها.
فإن الصلاة إذا لم تستوف أركانها، ولم يدخل فيها المصلى بعد ذكر اللّه، واستحضار جلاله وعظمته- كانت مجرد حركات، يخشع لها قلب، ولا تنتعش بها روح!! إنها إن لم تكن نفاقا مع الناس، كانت نفاقا مع الإنسان ونفسه واختيانا من الإنسان للأمانة التي اؤتمن عليها، ليؤديها إلى روحه، وقلبه، غذاء وضياء! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في وصف المنافقين: {وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [142:
النساء].
وهؤلاء الذين قصروا في ذكر اللّه، وفى الصلاة القائمة على ذكر اللّه، قد بخسوا أنفسهم، لأنهم آثروا الفانية على الباقية، اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى}.
قوله تعالى: {إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى}.
الإشارة هنا إلى ما تحدثت به الآيات السابقة، من أن من آثر الحياة الدنيا، واستغواه غيّها وضلالها، فإن النار مأواه، وأن من ذكر اسم ربه فصلى، فإنه من أهل الفوز والفلاح- فهذا الذي تحدثت به الآيات هو من الحقائق الكبرى الخالدة، التي حملتها كتب الأنبياء السابقين، ومنهم إبراهيم وموسى.
وفى اختيار إبراهيم وموسى من بين الأنبياء والرسل، إشارة إلى أن إبراهيم هو أبو الأنبياء، وشريعته من الشرائع الأولى، وعلى امتدادها جاءت شريعة موسى، ثم شريعة الإسلام.